الشريف المرتضى
286
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ولا يجوز أن يخرجه عن هذا الوجه ممّا فيه من الوجوه المستحسنة ، على أنّه إذا كانوا إنّما يلغون في كلامه ويعرضون عن بيانه عنادا عصبية ، فليس بنافع أن يقوم أمام كلامه هذه الحروف ، إذا أورد عليهم بعدها الكلام المتضمّن للأمر والنهي والإخبار ، عدلوا عن استماعه ولغوا فيه وصار ما أورده من المقدّمة عارا أو نقصا لا يجر نفعا ، ويجعلونه من أو كد الحجّة عليه ؛ لأنّهم كانوا يقولون له : أنت تزعم أنّ الكتاب الذي جئت به بلساننا ولغتنا ، وقد قدّمت فيه ما لا نعرف تألفه ولا نتخاطب بمثله . وقد قيل أيضا : إنّ معنى تقديم هذه الحروف لافتتاح الكلام وابتدائه ، كقول القائل مبتدءا : ألا ذهب ، وكقوله تعالى : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 1 » وكقوله « عزّ وجلّ » أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ « 2 » وقوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ « 3 » ف « ألا » زائدة بلا اشكال ؛ لأنّها لو حذفت من الكلام لم يتغيّر فائدته ، وقد قال الشاعر : ألا زعمت بسياسة القوم انّني * كبرت وألّا يشهد اللهو أمثالي ونظائر ذلك كثيرة . وهذا ليس بشيء لأن لفظة « ألا » معروفة في لغة العرب ، وإنما هي موضوعة في هذه المواضع للافتتاح ، ولا نعرف أحدا منهم افتتح كلاما بالحروف المقطّعة على وجه من الوجوه . فكأنّ هذا القائل يقول : إذا كانت لفظة « ألا » وهي كلمة مبنيّة مؤلّفة على بناء سائر الكلام بما جعلوه للافتتاح ، فألّا جاز أن يجعل الحروف المقطوعة التي ليست بهيئة موضوعة هذا الموضع ، ولا شبهة في فساد هذا الضرب من القياس في اللغة ، وأنّه لا يعرف فيها وخروج عن حدّها .
--> ( 1 ) سورة الشورى الآية : 53 . ( 2 ) سورة فصلت الآية : 54 . ( 3 ) سورة هود الآية : 5 .